الشيخ محمد رشيد رضا
287
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والمعاشرة بالمعروف ، وكان مشروعا عند أهل الكتاب والوثنيين من العرب وغيرهم ، وكان يقع على النساء منه وفيه ظلم كثير وغبن يشق احتماله فجاء الاسلام فيه بالاصلاح الذي لم يسبقه اليه شرع ولم يلحقه بمثله قانون ، وكان الإفرنج يحرمونه ويعيبون الاسلام به ، ثم اضطروا إلى إباحته ، فاسرفوا فيه إسرافا منذرا بفوضى الحياة الزوجية وانحلال روابط الأسرة والعشيرة جعل الاسلام عقدة النكاح بيد الرجال ويتبعه حق الطلاق لأنهم احرص على بقاء الزوجية بما تكلفهم من النفقات في عقدها وحلها وكونهم أثبت من النساء جأشا وأشد صبرا على ما يكرهون ، وقد أوصاهم اللّه تعالى على هذا بما يزيدهم قوة على ضبط النفس وحبسها على ما يكرهون من نسائهم فقال ( وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) على أن الشريعة تعطي المرأة حق اشتراط جعل عصمتها بيدها لتطلق نفسها إذا شاءت وأعطتها حق طلب فسخ عقد الزواج من القاضي إذا وجد سببه من العيوب الخلقية أو المرضية كالرجل وكذا إذا عجز الزوج عن النفقة . وجعلت للمطلقة عليه حق النفقة مدة العدة التي لا يحل لها فيها الزواج ، وذم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الطلاق بأن اللّه يبغضه للتنفير عنه - إلى غير ذلك من الاحكام التي بيناها في تفسير الآيات المنزلة فيها وفي كتابنا الجديد في حقوق النساء في الاسلام ( 10 ) بالغ الاسلام في الوصية ببر الوالدين فقرنه بعبادة اللّه تعالى ، واكد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيه حق الأم فجعل برها مقدما على بر الأب ، ثم بالغ في الوصية بتربية البنات وكفالة الأخوات ، بأخص مما وصى به من صلة الارحام ، بل جعل لكل امرأة فيما شرعيا يتولى كفايتها والعناية بها ، ومن ليس لها ولى من أقاربها وجب على أولي الأمر من حكام المسلمين أن يتولوا أمرها وجملة القول انه ما وجد دين ولا شرع ولا قانون في أمة من الأمم اعطى النساء ما أعطاهن الاسلام من الحقوق والعناية والكرامة ، أفليس هذا كله من دلائل كونه من وحي اللّه العليم الحكيم الرحيم لمحمد النبي الأمي المبعوث في الأميين ؟ بلى وانا على ذلك من الشاهدين الميرهنين ، والحمد للّه رب العالمين